من تراث السودان ..البرش الرمضاني في الدمام بـ”مائدة التآخي”

من تراث السودان ..البرش الرمضاني في الدمام بـ”مائدة التآخي”
سارة الإمام

يتسم شهر رمضان الفضيل في السودان بطابعه الروحاني والاجتماعي، وبعاداته الرمضانية الشعبية القديمة، وأبرزها البِرش الرمضاني الذي قاوم الحداثة وتحدّى الزمان والمكان؛ فظهر البرش في العديد من مدن البلاد العربية والغربية، منها على سبيل المثال: (الدمام، القاهرة، الدوحة، عجمان، لندن) وغيرها.
حيث يجمع البرش مختلف الفئات العمرية والاجتماعية والدينية، وكافة أبناء الشعوب من الجنسيات المختلفة على مائدة سودانية واحدة، دون فرق أو تمييز
يُعدّ البِرش الرمضاني من أجمل العادات السودانية التي تجمع بين الموروث الديني والتراث الشعبي، إذ تزدهي الشوارع والطرقات والساحات العامة قبيل أذان المغرب بألوان البِروش الزاهية الممتدة على الأرض طولًا، وتجود بالموجود من أطايب المأكولات والمشروبات السودانية لمشاركة الإفطار مع المارة وعابري الطريق الذين حال فوات الوقت بينهم وبين الوجهة التي يقصدونها.
نقل السودانيون معهم هذه العادة من أرياف ومدن السودان إلى خارج البلاد في دول المهجر، ويمثل “برش الدمام” إحدى مبادرات السودانيين خارج أرض الوطن، والتي تعكس مدى أصالة وجمال هذه العادة الرمضانية السودانية، التي لاقت أيضًا إعجاب الأشقاء السعوديين وتفاعلهم معها ومشاركتهم فيها.
تهدف مبادرة “برش الدمام” إلى إحياء هذا الإرث بالخارج، لتقوية أواصر المحبة والمودة بين أبناء الشعب السوداني وبين الشعوب الأخرى، وكذلك ربط الأجيال بعاداتهم وتراثهم الشعبي، وإذكاء صفة الكرم والتراحم في نفوسهم منذ الصغر.
ما يميز البرش الرمضاني أنه يجمع الكبير والصغير، الغني والفقير، المسلم والمسيحي، وأبناء الشعوب المختلفة، دون فرق بينهم.
كما أن للنساء دورًا عظيمًا في صنع موائد الإفطار وإعدادها بمحبة فائقة للمشاركة بها في البرش، حيث تقوم المبادرة على جمع مساهمات الأسر السودانية من الطعام والشراب، داخل مدن المنطقة الشرقية والخروج بها إلى المناطق الطرفية أو الصناعية بحاضرتها الدمام التي يوجد بها عدد مقدر من السودانيين لمشاركتهم الإفطار.

والمقصود بمعنى البُرش، بضم الباء، في اللغة – كما جاء في المعجم الوسيط – هو حصير صغير من سعف النخل يُجلس عليه، وجمعه “بُروش”.
ويحمل ذات المعنى في اللهجة السودانية المحلية، لكنه يُنطق بكسر الباء “بِرش”، وجمعه “بِروش” وهي مفارش من السعف يدوية الصنع، متباينة الأشكال والأحجام والألوان، ولها وظائف مختلفة، وقد حلّ محلها مؤخرًا السجاد الصناعي العصري من الصوف أو البلاستيك. ويرتبط البِرش بإنسان المجتمع السوداني ارتباطًا وثيقًا، إذ يتجلى في أفراحه وأتراحه وعاداته الشعبية.
يعكس البِرش الرمضاني أصالة وكرم الشعب السوداني، كما يبرز قيمه الإسلامية المتجذرة في مجتمعه، والمتمثلة في التكافل والتآخي وإطعام الطعام.
والجدير بالذكر أن ذات البِرش يتحوّل عقب صلاة العشاء إلى جلسة سمرٍ وأنسٍ تتسع لتشمل جميع الحاضرين، فيمضون الوقت معًا لساعات من الليل.
يظل البِرش الرمضاني حاضرًا طوال أيام الشهر المبارك، حيث لا يُرفع إلا مع حلول ليلة العيد وظهور هلال شوال، ليطوي بذلك صفحةً من العطاء والتآخي، ويفتح أخرى على شوقٍ وانتظار، حتى يحل رمضان مجددًا، حاملاً معه نفحاته الروحانية وذات الطقوس وروح المحبة والتكافل بين الناس.