من “مدارس المعابد إلى المسجد “..تعرف على تطور “الكتاتيب مهد التعليم”بمصر

باسم المصري:
“لا شيء يعلو على الكتب، الإنسان الذي يسير وراء غيره لا يُصيب نجاحًا، ليتني أجعلك تُحب الكُتب، لا توجد مهنة من غير رئيس لها إلا مهنة الكَاتب هو رئيس نفسه، إنّ يومًا تقضيه في المدرسة يعود عليك بالنفع”،هذه المقولة من تعاليم “خيتي دواوف” لابنه “بيبي” 1300 ق.م في مصر القديمة.
*الكتاتيب تعبر عن التنوع الثقافي بمصر:
وكانت “الكتاتيب” هي مهد التعليم في مصر، والتي لم تقتصر على الحضارة الإسلامية ،بل نشأت في مصر القديمة ، ومرت بعدة مراحل لتطويرها ،وتعتبر الكتاتيب مثال للتنوع الثقافي بمصر لأنها شهدت حضارات عديدة مصرية .
وفي هذا التقرير ترصد”سوا حوار “مراحل تطوير الكتاتيب مهد التعليم بمصر .
الكتاتيب في مصر القديمة

اعتبر المصري القديم العلم مقياسا لحضاراته وتطوره بين الشعوب، ولذلك عكف على تعليم الصغار وأهتم بتنوير عقولهم بالمواد المتوفرة وقتها.
تعود أصول الكتاتيب إلى أقدم عصور الأسرات المصرية القديمة وعٌرفت بـ”مدارس المعابد“، وذلك لإتصالها بالمعابد المصرية القديمةوكانت تمنح لطلابها شهادة “كاتب تلقى المحبرة”.
واستكملت الكتاتيب مشوارها في العصر المسيحي، فكانت تقوم بتعليم طلابها بعضًا من نصوص الكتاب المقدس والمزامير بجانب الطقوس والعبادة والعلوم الاجتماعية والإنسانية والرياضيات.
مما يدل على مدى اهتمام المصريين القدماء بالعلم، فهم أول من أقاموا المدارس وعملوا على محو أميتهم وعرفوا أيضا “التعليم المنزلي”.
وكان سن التحاق الطفل بالمدارس هو سن العاشرة من عمره واقتصر التعليم في البداية على تعليم الصغار في القصور الملكية وفى بيوت النبلاء ثم توسع المصري القديم فيإنشاء المدارس ثم الإدارات التعليمية المختصة بتعليم التجارة والإدارة والتي كان يطلق عليها “مهنية” إضافة إلى مدارس ملحقة بالجيش لتعليم العلوم العسكرية وفنون القتالومدارس تابعة للمعابد لتعليم العلوم الدينية .
تطور الكتاتيب إلى مدارس

وقد عرف المصريين المدارس النظامية منذ عصر الدولة الوسطى، وشهدت تلك المدارس أول ظهور للكِتاب المدرسي، وكان أول ظهور للمدارس النظامية في القصر الملكي، وأثبتت الاكتشافات الأثرية وجود المدارس في مناطق مختلفة في أنحاء مصر القديمة، فقد كانت هناك مدرسة حول معبد “الرمسيوم” وأخرى “بدير المدينة” بطيبة (الأقصر) وكذلك في المدينة التيأنشأها “أخناتون” بتل العمارنة، كما اكتشفت مدرسة في “أبيدوس” بسوهاج ومدينة أون (عين شمس) ومدرسة في تل بسطا وغيرها.
وأطلقوا على المدرسة بالهيروغليفية لفظ “بر- عنخ” وتعنى بيت الحياة، وأحيانًا يطلق عليها لفظ “عت- سبا” وتعنى مكان العلم كما أطلقوا على المدرس لفظ “سباو” وتعنى النجم أو المرشد أو الهادي.
وفى كل من هذه المدارس يوجد مُكتبات يطلق عليها “برت سشو” وتعنى بيت المخطوطات وكانت تحتوى على برديات في كل فروع المعرفة لتكون كُتبًا ومراجع للدراسين، وكانت الربة الحامية لهذه المكتبات الإلهة “سشات“، وكان معظم التعليم في ساحات مفتوحة وليس داخل فصول مغلقة وهو نظام تسعى بعض الدول المتقدمة إلى تطبيقه اليوم وكان التلاميذ يجلسون القرفصاء حول معلمهم، وكانت للكتاتيب وظائف عدة، بينها إعداد كتبة المعابد ومن يقومون بدراسة علوم الكهنوت، وإقامة الشعائر الدينية اليومية، بالإضافة إلى تأهيل الموظفين وأرباب المهن المختلفة، أماالمناهج التعليميةوقد حددها الدكتور سعيد إسماعيلفي كتابه (التربية في الحضارة المصرية القديمة) 6مواد دراسية، ركز عليها التعليم في مصر القديمة وهم: (اللغة – الأدب – الطب – الفلك والتقويم – الفنون – الرياضيات والهندسة)
وكانت الكتاتيب هي طريقة تعليمية تم إتباعها في السابق في المراحل الأولى، وكانت مصر مهد لها،والكُتّاب أو المكتب؛ هو المكان الذي يجري فيه الكتابة والتعلم، والجمع كتاتيب أو مكاتب، وهو مشتق من التكاتب وتعلم الكتابة وهي المهمة التي اضطلع بها، ويؤيد ذلك ما ورد في اللسان من أن “الكُتّاب موضع الكتاب” أي الكتابة.
ويميز أحمد شلبي بين نوعين من الكتاتيب التي وجدت في العصر الإسلامي الباكر؛ أولهما الكُتاب الذي يتعلم فيه الصغار مبادئ القراءة والكتابة والحساب والخط والإملاء، وثانيهما الكتاب الذي يتم فيه تعلم القرآن الكريم ومبادئ الدين الحنيف.
الكتاتيب من المصرية إلى العالمية

وكانت الانطلاقة الكبرى للكتاتيب المصرية فقد حدثت بعد انتشار الإسلام في مصر وبعدها في انتشرت بقوة في جميع الربوع المصرية، حيث كانت الكتاتيب المصرية تقام في مبانٍ ملحقة بالمساجد أو مباني مستقلة بذاتها، و كان عادة يجلس المعلم على مصطبة أو كرسي مرتفع قليلا عن الأرض، وكان التلاميذ يلتفون حوله على الأرض على بعض البسط المصنوعة من الحصير.
وشهدت العاصمة، وجود كتاتيب تمتاز بشكل أكبر قليلا من الشكل السابق، ومن أشهر الكتاتيب في هذا الوقت كُتاب عبد الرحمن كتخدا، الذي تم بناؤه في عام 1744، وكان هذا الكتاب في شارع المعز لدين الله الفاطمي، وقد قام بتصميمه الأمير عبد الرحمن كتخدا الذي عرف بالعبقرية الفذة في الهندسة المعمارية، وكذلك كتاب نفيسة البيضاء الموجود بالمنطقة العتيقة المسماة بالسكرية، وقام ببنائه سيدة عرفت بالنفيسة البيضاء وكانت من أغنى أغنياء عصرها، وقد قامت ببنائه ووهبته للعلم، وكان اليوم الدراسي في الكتاب يبدأ عند شروق الشمس، وينتهي بعد إقامة صلاة العصر، أما عن العمر الذي يتم إلحاق الطفل للكتاب به هو الثالثة من عمره.
أما عن الأدوات التي كان على التلميذ اقتنائها عند الذهاب للكتاب، فكانت بعض الألواح الخشبية والأقلام، وبالنسبة للدوام في الكتاب فكان الطفل ينتظم لمدة خمسة أيام، ويتم استثناء أيام البرد الشديد والعطلات والأعياد.
*شعراء خريجي الكتاتيب:
ولا ينكر أحد فضل الكتاتيب، ومن مُحفظي الكتاتيب من كان أديبا شاعرًا كالشيخ أحمد شفيق كامل الذي تغنت أم كلثوم بقصائده مثل «أمل حياتي» و«انت عمري».
كما كان من مشاهير المحفظات في العالم الإسلامي من النساء في العصر الحديث الشيخة زينب محفظة قرية صراوة أشمون منوفية والتي خرجت الكثير من الحفظة وكرمتها مصر أكثر من مرة.
ثم انتشرت الكتاتيب في دول عدة، وتعد الكتاتيب المصرية، أحد أهم أشكال التعليم في المراحل الأولية، فمن خلالها تعلم عمالقة العالم العربي أسس وقواعد اللغة العربية والقراءة والكتابة والحساب، بالإضافة إلى أنها كانت مقراَ هاماً لتعليم أسس الدين، وأسس علوم الاجتماع بشكل مبسط، هذا إلى جانب تعلم أهم القيم الأخلاقية، والآداب المجتمعية المتبعة في المكان المقام فيه الكتاب.